فصل: تفسير الآيات رقم (117- 124)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 93‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

هذه المقالة قالها الملأ لتبّاعهم وسائر الناس الذي يقلدونهم، و‏{‏الرجفة‏}‏ الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت ب ‏{‏الرجفة‏}‏ وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة و‏{‏الرجفة‏}‏ كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث ‏{‏شعيباً‏}‏ إلى أهل مدين وإلى أصحاب ألأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم، قال الطبري‏:‏ فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء قال لما رأها‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا *** عنكم سميراً وعمران بن شداد

إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت *** تدعو بصوت على ضمّانه الواد

وإنه لن تروا فيها ضحاء غد *** إلا الرقيم يمشّي بين انجاد

وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر «شعيباً» قال‏:‏ ذلك خطيب الأنبياء لقوله لقومه‏:‏ ‏{‏وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 88‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يريد لحسن مراجعته وجميل تلطفه‏.‏ وحكى الطبري عن أبي عبد الله البجلي أنه قال‏:‏ أبو جاد وهو زوحطي وكلمن وصعفض وقرست أسماء ملوك مدين، وكان الملك يوم الظلة كلمن، فقالت أخته ترثيه‏:‏ ‏[‏مجزوء الرمل‏]‏

كلمن قد هد ركني *** هلكه وسط المحله

سيد القوم اتساه *** حتف نار وسط ظله

جعلت نار عليهم *** دارهم كالمضمحله

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه حكاية مظنون بها والله علم، وقد تقدم معنى ‏{‏جاثمين‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كأن لم يغنوا فيها‏}‏ لفظ فيه للإخبار عن قوة هلاكهم ونزول النقمة بهم والتنبيه على العبرة بهم، ونحو هذا قول الشاعر‏:‏

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** و‏{‏يغنوا‏}‏ معناه يقيموا ويسكنوا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضٍ، هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها هذه اللفظة فمن ذلك قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وقد نغنى بها ونرى عصوراً *** بها يقتدننا الخرد الخذالا

ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏الرمل‏]‏

ولقد يغني بها جيرانك المس *** تمسكون منكم بعهد ووصال

أنشده الطبري، ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ألا حيّ من أجلِ الحبيبِ المغانيا *** ومنه قول مهلهل‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

غنيت دارنا تهامة في الدهر *** وفيها بنو معد حَلُّوا

ويشبه أن تكون اللفظة من الاستغناء، وأما قوله‏:‏ كأن لم تغن بالأمس ففيه هذا المعنى لأن المراد كأن لم تكن ناعمة نضرة مستقلة، ولا توجد فيما علمت إلا مقترنه بهذا المعنى وأما قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

غنينا زماناً بالتصعلك والغنا *** وكلاً سقاناه بكأسيهما الدهرُ

فمعناه استغنينا بذلك ورضيناه مع أن هذه اللفظة ليست مقترنه بمكان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي‏}‏ إلى آخر الآية كلام يقتضي أن ‏{‏شعيباً‏}‏ عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزناً وإشفاقاً إذ كان أمله فيهم غير ذلك، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم، فذكر أنه بلغ الرسالة ونصح، والمعنى فأعرضوا وكذبوا، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا وفكرت فيه ‏{‏فكيف آسى‏}‏ على هؤلاء الكفرة، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر، وقال مكي‏:‏ وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها، و‏{‏آسى‏}‏‏:‏ أحزن، وقرأ بن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش‏:‏ «إيسى» بكسر الهمزة وهي لغة كما يقال أخال وأيمن، قال عبد الله ابن عمر لا أخاله، وقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري، وهذه اللغة تطرد في العلامات الثلاث، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة، ولا يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه، وأما قولهم من جل ييجل فلعله من غير هذا الباب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 96‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

هذه الآية خبر من الله عز وجل أنه ما بعث نبياً في مدينة وهي «القرية» إلا أخذ أهلها المكذبين له ‏{‏بالباساء‏}‏ وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض الزمن، ‏{‏الضراء‏}‏ وهي المصاب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة، وحكي عن السدي ما يقتضي أن اللفظتين ينقادون إلى الإيمان، وهكذا قولهم الحمى أضرعتني لك‏.‏

ثم قال تعالى أنه بعد إنفاذ الحكم في الأولين بدل للخلق مكان السيئة وهي «الباساء» و«الضراء» الحسنة وهي «السراء» والنعمة، وهذا بحسب ما عند الناس، وإلا فقد يجيء الأمر كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت *** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا إنما يصح مع النظر إلى الدار الآخرة والجزاء فيها، والنعمة المطلقة هي التي لا عقوبة فيها‏:‏ والبلوى المطلقة هي التي لا ثواب عليها، و‏{‏حتى عفواً‏}‏ معناه‏:‏ حتى كثروا يقال عفا النبات والريش «يعفو» إذا كثر نباته، ومن هذا المعنى قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

ولكنها يعضُّ السيف منها *** بأسوق عافيات الشحم كوم

وعليه قوله صلى الله عليه وسلم «أحفوا الشوارب واعفوا اللحى» وعفا أيضاً في اللغة بمعنى درس وبلى فقال بعض الناس هي من الألفاظ التي تسعتمل للضدين، أما قول زهير‏:‏

على آثار من ذهب العفاء *** فيحتمل ثلاثة معانٍ الدعاء بالدرس، والإخبار به، والدعاء بنمو والنبات، كما يقال جادته الديم وسقته العهاد ولما بدل الله حالهم بالخير لطفاً بهم فنموا رأى الخلق بعد ذلك للكفر الذي هم فيه أن إصابة ‏{‏الضراء والسراء‏}‏ إنما هي بالاتفاق، وليست بقصد كما يخبر النبي، واعتقدوا أن ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم فجعلوه مثالاً، أي قد أصاب هذا آباءنا فلا ينبغي لنا أن ننكره، فأخبر الله تعالى أنه أخذ هذه الطوائف التي هذا معتقدها، وقوله ‏{‏بغتة‏}‏ أي فجأة وأخذة أسف وبطشاً للشقاء السابق لهم في قديم علمه، و‏{‏السراء‏}‏ السرور والحبرة، ‏{‏وهم لا يشعرون‏}‏ معناه وهم مكذبون بالعذاب لا يتحسسون لشيء منه ولا يستشعرونه باستذلال وغيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا‏}‏ الآية المعنى في هذه الآية أنهم لو كانوا ممن سبق في علم الله أن يكتسبوا الإيمان والطاعات ويتصفوا بالتقى لتبع ذلك من فضل الله ورحمته وإنعامه ما ذكر من بركات المطر والنبات ولكنهم لما كانوا ممن سبق كفرهم وتكذيبهم تبع ذلك أخذ الله لهم بسوء ما اجترموه، وكل مقدور، والثواب والعقاب متعلق بكسب البشر، وبسببه استندت الأفعال إليهم في قوله‏:‏ ‏{‏آمنوا واتقوا‏}‏ وفي ‏{‏كذبوا‏}‏ وقرأ الستة من القراء السبعة «لفتحَنا» بخفيف التاء وهي قراءة الناس، وقرأ ابن عامر وحده وعيسى الثقفي وأبو عبد الرحمن‏:‏ «لفتّحنا» بتشديد التاء، وفتح البركات إنزالها على الناس ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يفتح الله للناس من رحمة‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 1‏]‏ ومنه قالت الصوفية‏:‏ الفتوح والبركات النمو والزيادات، ومن السماء لجهة المطر والريح والشمس، ومن الأرض لجهة الإنبات والحفظ لما ينبت، هذا هو الذي يدركه نظر البشر ولله خدام غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 100‏]‏

‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

هذه الآية تتضمن وعيداً للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية قال‏:‏ ومن يؤمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس‏:‏ العذاب، و‏{‏بياناً‏}‏ نصب على الظرف أي وقت مبيتهم بالليل، ويحتمل أن يكون هذا في موضع الحال‏.‏

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ‏{‏أوْ أمن‏}‏ بسكون الواو وإظهار الهمزتين، وقرأ ورش عن نافع «أوَامن» بفتح الواو وإلقاء حركة الهمزة الثانية عليها، وهذه القراءة في معنى الأولى ولكن سهلت، وقرأ عصام وأبو عمرو وحمزة والكسائي، «أوَ أمن» بفتح الواو وإظهار الهمزتين ومعنى هذه القراءة‏:‏ أنه دخل ألف الاستفهام على حرف العطف، ومعنى القراءة الأولى‏:‏ أنه عطف با والتي هي لأحد الشيئين، المعنى‏:‏ ‏{‏أفأمنوا‏}‏ هذه أو هذا كما تقول‏:‏ أجاء زيد أو عمرو وليست هذه أو التي هي للإضراب عن الأول كما تقول‏:‏ أنا أقوم أو أجلس وأنت تقصد الإضراب عن القيام والإثبات للجلوس وتقريره، وقولنا التي هي لأحد الشيئين يعم الإباحة والتخيير كقولك‏:‏ جالس الحسن أو ابن سيرين أو قولك‏:‏ جالس الحسن أو جالس ابن سيرين، وقوله ‏{‏يلعبون‏}‏ يريد في غاية الغفلة والإعراض‏.‏

و ‏{‏مكر الله‏}‏ هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول‏:‏ ناقة الله وبيت الله، والمراد فعل يعاقب به مكرة الكفار، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن العرب تسمي العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نص في قوله ‏{‏ومكروا ومكر الله‏}‏، وهذا الموضع أيضاً كان كفرهم بعد الرسالة وظهور دعوة الله مكر وخديعة واستخفاف، وقيل عومل في مثل هذا وغيره اللفظ دون المعنى في مثل قوله ‏{‏الله يستهزئ بهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ و«أن الله لا يمل حتى تملوا» وغير ذلك‏.‏

وقوله ‏{‏أو لم يهد للذين يرثون الأرض‏}‏ الآية، هذه ألف تقرير دخلت على واو العطف، و«يهدي» معناه يبين والهدى الصباح وأنشدوا على ذلك‏:‏

حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة *** يسبحن في الآل غلفاً أو يصلينا

ويحتمل أن يكون المبين الله ويحتمل أن يكون المبين قوله ‏{‏أن لو نشاء‏}‏ أي علمهم بذلك وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد‏:‏ و«يهدي» معناه يتبين، وهذه أيضاً آية وعيد، أي ألم يظهر لوارث الأرض بعد أولئك الذين تقدم ذكرهم وما حل بهم أنا نقدر لو شئنا أن نصيبهم إصابة إهلاك بسبب معاصيهم كما فعل بمن تقدم وكنا نطبع‏:‏ أي نختم، ونختم عليها بالشقاوة، وفي هذه العبارة ذكر القوم الذين قصد ذكرهم وتعديد النعمة عليهم فيما «ورثوا» والوعظ بحال من سلف من المهلكين، ونطبع عطف على المعاصي إذ المراد به الاستقبال، ويحتمل أن يكون ونطبع منقطعاً إخباراً عن وقوع الطبع لا أنه متوعد به ويبقى التوعد بالإهلاك الذي هو بعذاب كالصيحة والغرق ونحوه، وقرأ أبو عمرو‏:‏ ‏{‏ونطبع على‏}‏ بإدغام العين في العين وإشمام الضم، ذكره أبو حاتم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 102‏]‏

‏{‏تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏تلك‏}‏ ابتداء، و‏{‏القرى‏}‏ قال قوم هو نعت والخبر ‏{‏نقصّ‏}‏ ويؤيد هذا أن القصد إنما الإخبار بالقصص‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر عندي أن ‏{‏القرى‏}‏ هي خبر الابتداء، وفي ذلك معنى التعظيم لها ولمهلكها، وهذا كما قيل في ‏{‏ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏ أنه ابتداء وخبر، وكما قال صلى الله عليه وسلم «أولئك الملأ»، وكقول أبي الصلت تلك المكارم وهذا كثير، وكأن في اللفظ معنى التحسر على القرى المذكورة، والمعنى‏:‏ نقص عليك من أنباء الماضين لتتبين العبر وتعلم المثلات التي أوقعها الله بالماضين ثم ابتدأ الخبر عن جميعهم بقوله ‏{‏ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا الكلام يحتمل أربعة وجوه من التأويل، أحدها أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجّوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما تبين به تكذيبهم من قبل، وكأنه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر والصرامة عليه ويؤيد هذا قوله ‏{‏كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين‏}‏ ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى فما كانوا ليؤمنوا أي ما كانوا ليوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سبباً لأن يمنعوا الإيمان بعد، والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن والعصر ليهتدي ويؤمن بما كذب به أولهم في الزمن والعصر، بل كفر كلهم ومشى بعضهم عن سنن بعض في الكفر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ أشار إلى هذا القول النقاش، فكأن الضمير في قوله ‏{‏كانوا‏}‏ يختص بالآخرين، والضمير في قوله ‏{‏كذبوا‏}‏ يختص بالقدماء منهم، والثالث من الوجوه يحتمل أني ريد فما كان هؤلاء المذكورون بأجمعهم وقرنه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 28‏]‏ وهذه أيضاً صفة بليغة في اللجاج والثبوت على الكفر، بل هي غاية في ذلك، والرابع من الوجوه أنه يحتمل أن يريد وصفهم بأنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما قد سبق في علم الله تعالى أنهم مكذبون به، فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل، وذكر هذا التأويل المفسرون وقرنوه بأن الله عز وجل حتم عليهم التكذيب وقت أخذ الميثاق، وهو قول أبي بن كعب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد‏}‏ الآية، أخبر تعالى أنه لم يجد لأكثرهم ثبوتاً على العهد الذي أخذه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره، قاله أبو العالية عن أبي بن كعب، ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة ولا شكروا نعم الله ولا قادتهم معجزات الأنبياء، لأن هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يوفى بها، وأيضاً فمن لدن آدم تقرر العهد الذي هو بمعنى الوصية وبه فسر الحسن هذه الآية فيجيء المعنى‏:‏ وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة، ذكره المهدوي، و‏{‏من‏}‏ في هذه الآية زائدة، إلا أنها تعطي استغراق جنس العهد ولا تجيء هذه إلا بعد النفي، و‏{‏إن‏}‏ هي المخففة من الثقيلة عند سيبويه، واللام في قوله ‏{‏لفاسقين‏}‏ للفرق بين ‏{‏إن‏}‏ المخففة وغيرها، و‏{‏إن‏}‏ عند الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا والتقدير عنده وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 108‏]‏

‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏103‏)‏ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏104‏)‏ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏105‏)‏ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏106‏)‏ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ‏(‏107‏)‏ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

الضمير في قوله ‏{‏من بعدهم‏}‏ عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم، و«الآيات» في هذه الآية عام في التسع وغيرها، وقوله ‏{‏فظلموا بها‏}‏ المعنى فظلموا أنفسهم فيها وبسببها وظلموا أيضاً مظهرها، ومتبعي مظهرها وقيل لما نزلت ظلموا منزلة كفروا وجحدوا عديت بالباء كما قال‏:‏ ‏[‏الفرزدق‏]‏

قد قتل الله زياداً عني *** فأنزل قتل منزلة صرف، ثم حذر الله من عاقبة المفسدين الظالمين وجعلهم مثالاً يتوعد به كفرة عصر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

و ‏{‏فرعون‏}‏ اسم كل ملك لمصر في ذلك الزمان فخاطبه موسى بأعظم أسمائه وأحبها إليه إذ كان من الفراعنة كالنمارذة في يونان وقيصر في الروم وكسرى في فارس والنجاشي في الحبشة، وروي أن موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، وروي أن اسم فرعون موسى عليه السلام الوليد بن مصعب، وقيل هو فرعون يوسف وأنه عمر نيفاً وأربعمائة سنة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ومن قال إن يوسف المبعوث الذي أشار إليه موسى في قوله ‏{‏ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 34‏]‏ هو غير يوسف الصديق فليس يحتاج إلى نظر، ومن قال إنه يوسف الصديق فيعارضه ما يظهر من قصة يوسف، وذلك أنه ملك مصر بعد عزيزها، فكيف يستقيم أن يعيش عزيزها إلى مدة موسى، فينفصل أن العزيز ليس بفرعون الملك إنما كان حاجباً له‏.‏

وقرأ نافع وحده ‏{‏عليّ‏}‏ بإضافة «على» إليه، وقرأ الباقون «على» سكون الياء، قال الفارسي‏:‏ معنى هذه القراءة أن «على» وضعت موضع الباء، كأنه قال حقيق بأن لا أقول على الله الحق كما وضعت الباء موضع «على» في قوله ‏{‏ولا تقعدوا بكل صراط‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 86‏]‏ فيتوصل إلى المعنى بهذه، وبهذه وكما تجيء «على» أيضاً بمعنى عن، ومنه قول الشاعر في صفة قوسه‏:‏

أرمي عليها وهي فرع أجمع *** وهي ثلاث أذرع وإصبع

قال القاضي أبو محمد‏:‏ و‏{‏حقيق على‏}‏ هذا معناه جدير وخليق، وقال الطبري‏:‏ قال قوم‏:‏ ‏{‏حقيق‏}‏ معناه حريص فلذلك وصلت ب ‏{‏على‏}‏، وفي هذا القول بعد، وقال قوم‏:‏ ‏{‏حقيق‏}‏ صفة لرسول تم عندها الكلام، وعلى خبر مقدم و‏{‏أن لا أقول‏}‏ ابتداء تقدم خبره، وإعراب ‏{‏أن‏}‏ على قراءة من سكن الياء خفض، وعلى قراءة من فتحها مشددة رفع، وقال الكسائي في قراءة عبد الله «حقيق بأن لا أقول»، وقال أبو عمرو في قراءة عبد الله‏:‏ «حقيق أن أقول» وبه قرأ الأعمش، وهذه المخاطبة إذا تأملت غاية في التلطف ونهاية في القول اللين الذي أمر عليه السلام به‏.‏

وقوله ‏{‏قد جئتكم ببينة من ربكم‏}‏ الآية، البينة هنا إشارة إلى جميع آياته وهي على المعجزة هنا أدل، وهذا من موسى عرض نبوته ومن فرعون استدعاء خرق العادة الدالة على الصدق‏.‏

وظاهر الآية وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني إسرائيل فقط، ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل، وذكره لعله يخشى أو يزكى ويوحد كما يذكر كل كافر، إذ كل نبي داع إلى التوحيد وإن لم يكن آخذاً به ومقاتلاً عليه، وأما إن دعاه إلى أن يؤمن ويلتزم جميع الشرع فلم يرد هذا نصاً، والأمر محتمل، وبالجملة فيظهر فرق ما بين بني إسرائيل وبين فرعون والقبط، ألا ترى أن بقية القبط وهم الأكثر لم يرجع إليهم موسى أبداً ولا عارضهم وكان القبط مثل عبدة البقر وغيرهم وإنما احتاج إلى محاورة فرعون لتملكه على بني إسرائيل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فألقى عصاه‏}‏ الآية، روي أن موسى عليه السلام قلق به وبمحاورته فرعون فقال لأعوانه خذوه فألقى موسى العصا فصارت ثعباناً وهمت بفرعون فهرب منها، وقال السدي‏:‏ إنه أحدث وقال يا موسى كفه عني فكفه، وقال نحوه سعيد بن جبير‏.‏

و «إذا» ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان في كل موضع، ويقال‏:‏ إن الثعبان وضع أسفل لحييه في الأرض وأعلاها في شرفات القصر، والثعبان الحية الذكر، وهو أهول وأجرأ، قاله الضحاك، وقال قتادة صارت حية أشعر ذكراً، وقال ابن عباس‏:‏ غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها إلى فرعون، وقوله ‏{‏مبين‏}‏ معناه لا تخييل فيه بل هو بين أنه حقيقة، وهو من أبان بمعنى بان أو من بان بمعنى سلب عن أجزائه، وقوله ‏{‏ونزع يده‏}‏، معناه من جيبه أو كمه حسب الخلاف في ذلك، وقوله ‏{‏فإذا هي بيضاء‏}‏ قال مجاهد كاللبن أو أشد بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرة شفافة كالشمس تأتلق، وكان موسى عليه السلام ذا دم أحمر إلى السواد، ثم كان يرد يده فترجع إلى لون بدنه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهاتان الآيتان عرضهما موسى عليه السلام للمعارضة ودعا إلى الله بهما، وخرق العادة بهما وتحدى الناس إلى الدين بهما، فإذا جعلنا التحدي الدعاء إلى الدين مطلقاً فبهما تحدى، وإذا جعلنا التحدي الدعاء بعد العجز عن معارضة المعجرة وظهور ذلك فتنفرد حينئذ العصا بذلك لأن المعارضة والعجز فيها وقعا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويقال التحدي هو الدعاء إلى الإتيان بمثل المعجزة، فهذا نحو ثالث وعليه يكون تحدي موسى بالآيتين جميعاً لأن الظاهر من أمره أنه عرضهما للنظر معاً وإن كان لم ينص على الدعاء إلى الإتيان بمثلها، وروي عن فرقد السبخي أن فم الحية كان ينفتح أربعين ذراعاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 116‏]‏

‏{‏قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏109‏)‏ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ‏(‏110‏)‏ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏111‏)‏ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏112‏)‏ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ‏(‏115‏)‏ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ‏(‏116‏)‏‏}‏

الساحر كان عندهم في ذلك الزمن أعلى المراتب وأعظم الرجال، ولكن وصفهم موسى بذلك مع مدافعتهم له عن النبوة ذم عظيم وحط، وذلك قصدوا إذ لم يمكنهم أكثر، وقولهم ‏{‏يريد أن يخرجكم من أرضكم‏}‏ يعنون بأنه يحكم فيكم بنقل رعيتكم في بني إسرائيل فيفضي ذلك إلى خراب دياركم إذا ذهب الخدمة والعمرة، وأيضاً فلا محالة أنهم خافوا أن يقاتلهم وجالت ظنونهم كل مجال، وقال النقاش‏:‏ كانوا يأخذون من بني إسرائيل خرجاً كالجزية فرأوا أن ملكهم يذهب بزوال ذلك، وقوله ‏{‏فماذا تأمرون‏}‏ الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم إلى بعض، وقيل هو من كلام فرعون لهم، وروى كردم عن نافع «تأمرونِ» بكسر النون، وكذلك في الشعراء و«في» استفهام و«ذا» بمعنى الذي فهما ابتداء وخبر، وفي ‏{‏تأمرون‏}‏ ضمير عائد على الذي تقديره تأمرون به ويجوز أن تجعل ‏{‏ماذا‏}‏ بمنزلة اسم واحد في موضع نصب ب ‏{‏تأمرون‏}‏ ولا يضمر فيه على هذا، قال الطبري‏:‏ والسحر مأخوذ من سحر المطر الأرض إذا جادها حتى يقلب نباتها ويقلعه من أصوله فهو يسحرها سحراً والأرض مسحورة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وإنما سحر المطر الطين إذا أفسده حتى لا يمكن فيه عمل، والسحر الآخذة التي تأخذ العين حتى ترى الأمر غير ما هو، وربما سحر الذهن، ومنه قول ذي الرمة‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وساحرة السراب من الموامي *** يرقص في نواشزها الأروم

أراد أنه يخيل نفسه ماء للعيون‏.‏

ثم أشار الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون ويدع النظر في أمرهما ويجمع السحرة من كل مكان حتى تكون غلبة موسى بحجة واضحة معلومة بينة، وقرأ ابن كثير «أرجئهو» بواو بعد الهاء المضمومة وبالهمز قبل الهاء، وقرأ أبو عمرو «أرجئه» بالهمز، دون واو بعدها وقرأ نافع وحده في رواية قالون‏:‏ «أرجهِ» بكسر الهاء، ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ أخره فسهل الهمزة، ويحتمل من الرجا بمعنى أطعمه ورجه قاله المبرد، وقرأ ورش عن نافع‏:‏ «أرجهِي» بياء بعد كسرة الهاء، وقرأ ابن عامر‏:‏ «أرجئهِ» بكسر الهاء وبهمزة قبلها، قال الفارسي وهذا غلط وقرأ عاصم والكسائي «أرجهُ» بضم الهاء دون همز، وروى أبان عن عاصم‏:‏ «أرجهْ» بسكون الهاء وهي لغة تقف على هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏منظور بن حبة الأسدي‏]‏

أنحى عليًّ الدهرُ رجلاً ويدا *** يقسم لا أصلَحَ إلا أفسدا

فيصلح اليوم ويفسد غداً‏.‏

وقال الآخر‏:‏

لما رأى أن لا دعة ولا شبع *** مال إلى أرطاة حقق فاضطجع

وحكى النقاش أنه لم يكن يجالس فرعون ولد غية وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإرجاء ولم يشيروا بالقتل وقالوا‏:‏ إن قتلته دخلت على الناس شبهة ولكن اغلبه بالحجة، و‏{‏المدائن‏}‏ جمع مدينة وزنها فعيلة من مدن أو مفعلة من دان يدين وعلى هذا يهمز مدائن أو لا يهمز، و‏{‏حاشرين‏}‏ معناه جامعين، قال المفسرون‏:‏ وهم الشرط، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «بكل ساحر» وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «بكل سحار» على بناء المبالغة وكذلك في سورة يونس، وأجمعواعلى «سحار» في سورة الشعراء، وقال قتادة‏:‏ معنى الإرجاء الذي أشاروا إليه السجن والحبس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجاء السحرة‏}‏ الآية، هنا محذوفات يقتضيها ظاهر الكلام وهي أنه بعث إلى السحرة وأمرهم بالمجيء، وقال ابن عباس أنه بعث غلماناً فعلموا بالفرما وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص «أن لنا لأجرا» على جهة الخبر، وقرأوا في الشعراء ‏{‏أن لنا‏}‏ ممدودة مفتوحة الألف غير عاصم فإنه لا يمدها، قال أبو علي ويجوز أن تكون على جهة الاستفهام وحذف ألفها، وقد قيل ذلك في قوله ‏{‏أن عبدت بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 22‏]‏ ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏حضرمي بن عامر‏]‏‏.‏

أفرح أن أرزأ الكرام *** وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي هنا وفي الشعراء «آإن» بألف الاستفهام قبل «إن» وقرأت فرقة «أئن» دون مد، وقرأ أبوعمرو هنا وفي الشعراء «أئن»، والأجر هنا الاجرة فاقترحوها إن غلبوا فأنعم فرعون لهم بها وزادهم المنزلة والجاه، ومعناه المقربين مني، وروي أن السحرة الذين جاءوا إلى فرعون كانوا خمسة عشر ألفاً قاله ابن إسحاق، وقال ابن جريج كانوا تسعمائة، وذكر النقاش أنهم كانوا اثنين وسبعين رجلاً، وقال عكرمة‏:‏ كانوا سبعين ألفاً قال محمد بن المنكدر كانوا ثمانين ألفاً، وقال السدي مائتي ألف ونيفاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده، وقال كعب الأحبار‏:‏ اثني عشر ألفاً، وقال السدي‏:‏ كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل مع كل رجل حبل وعصا، وقال أبو ثمامة‏:‏ كانوا سبعة عشر ألفاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا يا موسى إما أن تلقي‏}‏ الآية، ‏{‏أن‏}‏ في قوله ‏{‏إما أن‏}‏ في موضع نصب أي إما أن تفعل الإلقاء، ويحتمل أن تكون في موضع رفع أي إما هو الإلقاء، وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو يتأخر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا فعل المدل الواثق بنفسه، والظاهر أن التقدم في التخيلات والمخارق والحج، لأن بدليتهما تمضي بالنفس، فليظهر الله أمر نبوة موسى قوى نفسه ويقينه ووثق بالحق فأعطاهم التقدم فنشطوا وسروا حتى أظهر الله الحق وأبطل سعيهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سحروا أعين الناس‏}‏ نص في أن لهم فعلاً ما زائداً على ما يحدثونه من التزيق والآثار في العصا وسائر الأجسام التي يصرفون فيها صناعتهم ‏{‏واسترهبوهم‏}‏ بمعنى أرهبوهم أي فزعوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس، ووصف الله سحرهم بالعظم، ومعنى ذلك من كثرته، وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيراً موقرة بالحبال والعصي فلما ألقوها تحركت وملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، فاستهول الناس ذلك واسترهبوهم، قال الزجاج‏:‏ قيل إنهم جعلوا فيها الزئبق فكانت لا تستقر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 124‏]‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ‏(‏117‏)‏ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏118‏)‏ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ‏(‏119‏)‏ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ‏(‏120‏)‏ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏121‏)‏ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏122‏)‏ قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏123‏)‏ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

‏{‏أن‏}‏ في موضع نصب ب ‏{‏أوحينا‏}‏ أي بأن ألق، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فلا يكون لها موضع من الإعراب، وروي أن موسى لما كان يوم الجمع خرج متكئاً على عصاه ويده في يد أخيه وقد صف له السحرة في عدد عظيم حسبما ذكر، فلما ألقوا واسترهبوا أوحى الله إليه، فألقى فإذا هي ثعبان مبين، فعظم حتى كان كالجبل، وقيل إنه طال حتى جاز النيل، وقيل كان الجمع بالإسكندرية وطال حتى جاز مدينة البحيرة، وقيل كان الجمع بمصر وإنه طال حتى جاز بذنبه بحر القلزم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول بعيد من الصواب مفرط الإغراق لا ينبغي أن يلتفت إليه، وروي أن السحرة لما ألقوا وألقى موسى عصاه جعلوا يرقون وجعلت حبالهم وعصيهم تعظم وجعلت عصى موسى تعظم حتى سدت الأفق وابتلعت الكل ورجعت بعد ذلك عصا فعندها آمن السحرة، وروي أن عصا موسى كانت عصا آدم عليهما السلام وكانت من الجنة، وقيل كانت من العين الذي في وسط ورق الريحان، وقيل كانت غصناً من الخبيز أو قيل كانت لها شعبتان وقيل كانت عصا الأنبياء مختزنة عند شعيب فلما استرعى موسى قال له اذهب فخذ عصا فذهب إلى البيت فطارت هذه إلى يده فأمره شعيب بردها وأخذ غيرها ففعل فطارت هي إلى يده فأخبر بذلك شعيباً وتركها له، وقال ابن عباس‏:‏ إن ملكاً من الملائكة دفع العصا إلى موسى في طريق مدين، و‏{‏تلقف‏}‏ معناه تبتلع وتزدرد، و‏{‏ما يأفكون‏}‏ معناه‏:‏ ما صوروا فيه إفكهم وكذبهم، وقرأ جمهور الناس «تلقف»، وقرأ عاصم في رواية حفص «تلْقَف» بسكون اللام وفتح القاف، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه «هي تلقف» بتشديد التاء على إدغام التاء من تتلقف، وهذه القراءة لا تترتب إلا في الوصول، وأما في الابتداء في الفعل فلا يمكن، وقرأ سعيد بن جيبر «تلقم» بالميم أي تبتلع كاللقمة، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلاً وأعدمها الله عز وجل، ومد موسى يده إلى فمه فعاد عصا كما كان، فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر فخروا سجداً مؤمنين بالله ورسوله‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوقع الحق‏}‏ الآية، «وقع» معناه نزل ووجد، و‏{‏الحق‏}‏ يريد به سطوع البرهان وظهور الإعجاز واستمر التحدي إلى الدين على جميع العالم، و‏{‏ما كانوا يعلمون‏}‏ لفظ يعم سحر السحرة وسعي فرعون وشيعته‏.‏

والضمير في قوله ‏{‏فغلبوا‏}‏ عائد على «جميعهم» من سحرة وسعي فرعون وشيعته، وفي قوله ‏{‏وانقلبوا صاغرين‏}‏ إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا في الضمير ولا لحقهم صغار يصفهم الله به لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألقي السحرة ساجدين‏}‏ الآيات، لما رأى السحرة من عظيم القدرة وما تيقنوا به نبوة موسى آمنوا بقلوبهم وانضاف إلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة الله تعالى فخروا سجداً لله تعالى متطارحين وآمنوا نطقاً بألسنتهم، وتبينهم الرب بذكر موسى وهارون زوال عن ربوبية فرعون وما كان يتوهم فيه الجهال من أنه رب الناس، وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث سنين، وقول فرعون ‏{‏قبل أن آذن لكم‏}‏ دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه في كل القرآن «آمنتم» على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «آمنتم» بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في الثلاثة المواضيع «أآمنتم» بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه «وآمنتم» وهي على ألف الاستفهام إلا أنه سهلها واواً فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس «وآمنتم» وهي على القراءة بالهمزتين «اآمنتم» إلا أنه سهل ألف الاستفهام واواً وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه، والضمير في ‏{‏به‏}‏ يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، ويحتمل أن يعود على موسى عليه السلام، وعنفهم فرعون على الإيمان قبل إذنه ثم ألزمهم أن هذا كان على اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس وابن مسعود‏:‏ أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة واسمه شمعون فقال له موسى‏:‏ أرأيت إن غلبتكم أتؤمنون بي فقال له نعم، فعلم بذلك فرعون، فلذلك قال ‏{‏إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة‏}‏‏.‏

ثم قال للسحرة ‏{‏لأقطعن أيديكم وأرجلكم‏}‏ الآية، فرجع فرعون في مقالته هذه إلى الخذلان والغشم وعادة ملوك السوء إذا غولبوا، وقرأ حميد المكي وابن محصن ومجاهد «لأقْطَعن» بفتح الهمزة والطاء وإسكان القاف، «ولأصْلُبن» بفتح الهمزة وإسكان الصاد وضم اللام، وروي بكسرها، و‏{‏من خلاف‏}‏ معناه يمنى ويسرى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر من هذه الآيات أن فرعون توعد وليس في القرآن نص على أنه أنفذ ذلك وأوقعه، ولكنه روي أنه صلب بعضهم وقطع، قال ابن عباس‏:‏ فرعون أول من صلب وقطع من خلاف، وقال ابن عباس وغيره فيهم‏:‏ أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏125- 127‏]‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ‏(‏125‏)‏ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ‏(‏126‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

هذا تسليم من مؤمني السحرة، واتكال على الله، وثقة بما عنده‏.‏

وقرأ جمهور الناس «تنقِم» بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم وابن أبي عبلة والحسن بن أبي الحسن «تنقَم» بفتحها وهم لغتان، قال أبو حاتم‏:‏ الوحه في القراءة كسر القاف، وكل العلماء أنشد بيت ابن الرقيات‏:‏ ما نقَموا من بني أمية، بفتح القاف ومعناه وما تعد علينا وتؤاخذنا به‏؟‏ وقولهم ‏{‏أفرغ علينا صبراً‏}‏ معناه عمنا كما يعم الماء من أفرغ عليه، وهي هنا مستعارة، وقال ابن عباس‏:‏ لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، وحكىلنقاش عن مقاتل أنه قال‏:‏ مكث موسى بمصر بعد إيمان السحرة عاماً أو نحوه يريهم الآيات‏.‏

وقوله ملأ فرعون ‏{‏أتذر موسى وقومه‏}‏ مقالة تتضمن إغراء فرعون بموسى وقومه وتحريضه على قتلهم أو تغيير ما بهم حتى لا يكون لهم خروج عن دين فرعون، ومعنى ‏{‏أتذر موسى‏}‏‏:‏ أتترك، وقرأ جمهور الناس «ويذرَك» بفتح الراء، ونصبه على معنيين‏:‏ أحدهما أن يقدر «وأن يذرك» فهي واو الصرف فكأنهم قالوا أتذره، وأن يذرك أي أتتركه وتركك، والمعنى الآخر أن يعطف على قوله ‏{‏ليفسدوا‏}‏ وقرأ نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف عنه «ويذرُك» بالرفع عطفاً على قولهم ‏{‏أتذر‏}‏، وقرأ الأشهب العقيلي «ويذرْك» بإسكان الراء وهذا علىلتحقيق من يذرك، وقرأ أنس بن مالك «وينذرُك» بالنون ورفع الفعل على معنى توعد منهم أو على معنى إخبار أن الأمر يؤول إلى هذا، وقرأ أبي بن كعب وعبد الله «في الأرض» وقد تركوك أن يعبدوك «وآلهتك» قال أبو حاتم وقرأ الأعمش «وقد تركك وآلهتك»، وقرأ السبعة وجمهور من العلماء «وآلهتك» على الجمع‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا على ما روي أن فرعون كان في زمنه للناس آلهة من بقر وأصنام وغير ذلك، وكان فرعون قد شرع ذلك وجعل نفسه الإله الأعلى، فقوله على هذا أنا ربكم الأعلى، إنما هو بمناسبة بينه وبين سواه من المعبودات‏.‏

وقيل‏:‏ إن فرعون كان يعبد حجراً كان يعلقه في صدره كياقوتة أو نحوها، قال الحسن‏:‏ كان لفرعون حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها، وقال سليمان التيمي‏:‏ بلغني أنه كان يعبد البقر، ذكره أبو حاتم وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأنس بن مالك وجماعة وغيرهم، ‏{‏وآلهتك‏}‏ أي وعبادتك والتذلل لك، وزعمت هذه الفرقة‏:‏ أن فرعون لم يبح عبادة شيء سواه وأنه في قوله الأعلى إنما أراد‏:‏ و«يقتّلون» بالتشديد وخففهما جميعاً نافع وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي‏:‏ «يقتّلون» و«سنقتّل» بالتشديد على المبالغة، والمعنى سنستمر على ما كنا عليه من تعذيبهم وقطعهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنا فوقهم قاهرون‏}‏ يريد في المنزلة والتمكن من الدنيا، و‏{‏قاهرون‏}‏ يقتضي تحقير أمرهم أي هم أقل من أن يهتم بهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 130‏]‏

‏{‏قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏128‏)‏ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏129‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

لما قال فرعون سنقتل أبناءهم وتوعدهم قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل يثبتهم ويعدهم عند الله ‏{‏استعينوا بالله واصبروا‏}‏ وظاهر هذا الكلام كله وعد بغيب فكأن قوته تقتضي أنه من عند الله وليس في اللفظ شيء من ذلك و‏{‏الأرض‏}‏ أرض الدنيا وهو الأظهر، وقيل المراد هنا أرض الجنة، وأما في الثانية فأرض الدنيا لا غير، وقرأت فرقة «يورَثها» بفتح الراء، وقرأ السبعة «يوْرِثها» ساكنة الواو خفيفة الراء مكسورة، وروى حفص عن عاصم وهي قراءة الحسن «يورّثها» بتشديد الراء على المبالغة، والصبر في هذه الآية يعم الانتظار الذي هو عبادة والصبر في المناجزات‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏من قبل أن تأتينا‏}‏ يعنون به الذبح الذي كان فالمدة التي كان فرعون يتخوف فيها أن يولد المولود الذي يخرب ملكه، والذي من بعد مجئيه يعنون به وعيد فرعون وسائر ما كان خلال تلك المدة من الإخافة لهم، وقال السدي وابن عباس رضي الله عنه‏:‏ إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة حين اتبعهم فرعون واضطرهم إلى البحر فضاقت صدورهم ورأوا بحراً أمامهم وعدواً كثيفاً وراءهم فقالوا هذه المقالة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وبالجملة هو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل من اضطرابهم على أنبيائهم وقلة يقينهم وصبرهم على الدين واستعطاف موسى لهم بقوله‏:‏ ‏{‏عسى ربكم أن يهلك عدوكم‏}‏ ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض يدل على أنه يستدعي نفوساً نافرة، ويقوي هذا الظن في بني إسرائيل سلوكهم هذه السبيل في غير قصة، وحكى النقاش أنهم قالوا ذلك بمصر حين كلفهم فرعون من العمل ما لا يطيقون، وروي أنه كان يكلفهم عمل الطوب ويمنعهم التبن ليشق عليهم عمله، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فينظر كيف تعملون‏}‏ تنبيه وحض على الاستقامة، وإن قدر هذا الوعد أنه من عند الله فيتخرج عليه قول الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ‏{‏عسى‏}‏ من الله واجبة، وقداستخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان، وقد فتحوا بيت المقدس مع يوشع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين‏}‏ الآية خبر أنه أخذ آل فرعون في تلك المدة التي كان موسى يدعوهم فيها بالسنين وهو الجدوب والقحوط، وهذه سيرة الله في الأمم، وكذلك فعل بقريش والسنة في كلام العرب‏:‏ القحط ومنه قول ليلى والناس مسنتون، وسنة وعضة وما جرى مجراها من الأسماء المنقوصة تجمع بالواو والنون ليس على جهة جمع السلامة لكن على جهة العوض مما نقص، وكذلك أرض توهموا فيها نقص هاء التأنيث لأنه كان حقها أن تكون أرضه، وأما حرة وأحرون فلأن التضعيف أبداً‏.‏ يعتل فتوهموه مثل النقص، وكسر السين من سنون وسنين وزيادة الألف في أحرين دليل على أنه ليس بجمع سلامة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونقص من الثمرات‏}‏ روي أن النخلة كانت لا تحمل إلا ثمرة واحدة، وقال نحوه رجاء بن حيوة، وأراد الله عز وجل أن ينيبوا ويزدجروا عما هم عليه من الكفر، إذ أحوال الشدة ترق القلوب وترغب فيما عند الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 133‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏131‏)‏ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏133‏)‏‏}‏

كان القصد في إصابتهم بالقحط والنقص في الثمرات أن ينيبوا ويرجعوا فإذا بهم قد ضلوا وجعلوها تشاؤماً بموسى فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ونحوها قالوا هذا لنا وبسببنا وعلى الحقيقة لنا، وإذا نالهم ضر قالوا هذا بسبب موسى وشؤمه، قاله مجاهد وغيره، وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء والياء الأخيرة «يطيّروا»، وقرأ عيسى بن عمرو وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف الطاء «تطيروا»، وقرأ مجاهد «تشاءموا بموسى» بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا إنما طائرهم‏}‏ معناه حظهم ونصيبهم، قاله ابن عباس وهو مأخوذ من زجر الطير فسمي ما عند الله من القدر للإنسان طائراً لما كان الإنسان يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر، فهي لفظة مستعارة، وقرأ جمهور الناس «طائرهم»، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «طيرهم»‏.‏ وقال ‏{‏أكثرهم‏}‏ وجميعهم لا يعلم إما لأن القليل علم كالرجل المؤمن وآسية امرأت فرعون وإما أن يراد الجميع وتجوز في العبارة لأجل الإمكان، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله ‏{‏طائرهم‏}‏ لجميع العالم ويجيء تخصيص الأكثر على ظاهره، ويحتمل أن يريد ولكن أكثرهم ليس قريباًَ أن يعلم لانغمارهم في الجهل، وعلى هذا فيهم قليل معد لأن يعلم لو وفقه الله‏.‏

و ‏{‏مهما‏}‏ أصلها عند الخليل «ما ما» فبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبويه‏:‏ هي «مه ما» خلطتا وهي حرف واحد، وقال غيره‏:‏ معناه «مه وما» جزاء ذكره الزجّاج، وهذه الآية تتضمن طغيانهم وعتوهم وقطعهم على أنفسهم بالكفر البحت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان‏}‏ الآية، قال الأخفش ‏{‏الطوفان‏}‏ جمع طوفانة وهذه عقوبات وأنواع من العذاب بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، و‏{‏الطوفان‏}‏ مصدر من قولك طاف يطوف فهو عام في كل شيء يطوف إلا أن استعمال العرب له كثر في الماء والمطر الشديد، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الرمل‏]‏

غير الجدة من عرفانه *** خرق الريح وطوفان المطر

ومنه قول أبي النجم‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

ومد طوفان فبث مددا *** شهراً شآبيب وشهراً بردا

وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك‏:‏ إن ‏{‏الطوفان‏}‏ في هذه الآية المطر الشديد أصابهم وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل طم فيض النيل عليهم وروي في كيفيته قصص كثير، وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن ‏{‏الطوفان‏}‏ المراد في هذه الآية هو الموت، وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه هو مصدر معمى عني به شيء أطافه الله بهم، و‏{‏الجراد‏}‏ معروف، قال الأخفش هو جمع جرادة للمذكر والمؤنث فإن أردت الفصل قلت رأيت جرادة ذكراً، وروي‏:‏ أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر غرقت أرضهم وامتنعوا الزراعة قالوا يا موسى ادع في كشف هذا عنا نحن نؤمن، فدعا فدفعه الله عنهم فأنبتت الأرض إنباتاً حسناً فطغوا وقالوا ما نود أنا لم نمطر وما هذا الإحسان من الله إلينا، فبعث الله حينئذ الجراد فأكل جميع ما أنبتت الأرض، وروى ابن وهب عن مالك أنه روي أنه أكل أبوابهم وأكل الحديد والمسامير وضيق عليهم غاية التضييق وترك الله من نباتهم ما يقوم به الرمق فقالوا لموسى ادع في كشف الجراد ونحن نؤمن، فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم ورأوا أن ما أقام رمقهم قد كفاهم، فبعث الله عليهم القمل وهي الدبى صغار الجراد الذي يثبت ولا يطير قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقيل هو الحمثان وهو صغار القردان وقيل هو البراغيث وقال ابن عباس ‏{‏القمل‏}‏ السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل ‏{‏القمل‏}‏ الزرع إنه حيوان صغير جداً أسود وإنه بأرض مصر حتى الآن، قال حبيب بن أبي ثابت‏:‏ ‏{‏القمل‏}‏ الجعلان، وقرأ الحسن «القَمْل» بفتح القاف وسكون الميم فهي على هذا بينة القمل المعروف، وروي أن موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه فانتشر كله قملاً في مصر، ثم إنهم قالوا ادع في كشف هذا فدعا ورجعوا إلى طغيانهم وكفرهم، وبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم وإذا هم الرجل أن يتكلم وثب الضفدع في فمه، قال ابن جبير‏:‏ كان الرجل يجلس إلى دفنه في الضفادع، وقال ابن عباس‏:‏ كانت الضفادع برية فلما أرسلت على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء‏.‏

فقالوا ادع في كشف هذا فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم وعتوهم فبعث الله عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يستقونه ويحصل عندهم دماً، فروي أن الرجل منهم كان يستقي من البئر فإذا ارتفع إليه الدلو عاد دماً، وروي أنه كان يستقي القبطي والإسرائيلي بإناء واحد فإذا خرج الماء كان الذي يلي القبطي دماً والذي يلي الإسرائيلي ماء إلى نحو هذا وشبهه من العذاب بالدم المنقلب عن الماء، هذا قول جماعة المتأولين، وقال زيد بن أسلم‏:‏ إنما سلط الله عليهم الرعاف فهذا معنى قوله والدم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آيات مفصلات‏}‏ التفصيل أصله في الأجرام إزالة الاتصال، فهو تفريق شيئين، فإذا استعمل في المعاني فيراد أنه فرق بينها وأزيل اشتراكها وإشكالها، فيجيء من ذلك بيانها وقالت فرقة من المفسرين‏:‏ ‏{‏مفصلات‏}‏ يراد به مفرقات بالزمن، والمعنى أنه كان العذاب يرتفع ثم يبقون مدة شهر، وقيل ثمانية أيام ثم يرد الآخر، فالمراد أن هذه الأنواع من العذاب لم تجئ جملة ولا متصلة، ثم وصفهم الله عز وجل بالاستكبار عن الآيات والإيمان، وأنهم كان لهم اجترام على الله تعالى وعلى عباده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏134- 136‏]‏

‏{‏وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏134‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏135‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏136‏)‏‏}‏

‏{‏الرجز‏}‏ العذاب، والظاهر من الآية أن المراد بالرجز هاهنا العذاب المتقدم الذكر من الطوفان والجراد وغيره، وقال قوم من المفسرين‏:‏ الإشارة هنا بالرجز إنما هي إلى طاعون أنزله فيهم مات منهم في ليلة واحدة سبعون ألف قبطي، وروي في ذلك أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل بأن يذبحوا كبشاً ويضمخوا أبوابهم بالدم ليكون ذلك فرقاً بينهم وبين القبط في نزول العذاب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف، وهذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بني إسرائيل فلذلك ضعفت، وقولهم‏:‏ ‏{‏بما عهد‏}‏ يريدون بذمامك وماتتك إليه فهي تعم جميع الوسائل بين الله وبين موسى من طاعة من موسى ونعمة من الله تبارك وتعالى، ويحتمل أن يكون ذلك منهم على جهة القسم على موسى، ويحتمل أن يكون المعنى ادع لنا ربك ماتّاً إليه بما عهد إليك، ويحتمل إن كان شعر أن بين الله تعالى وبين موسى في أمرهم عهد ما أن تكون الإشارة إليه، والأول أعم وألزم، والآخر يحتاج إلى رواية وقولهم‏:‏ ‏{‏لئن كشفت‏}‏ أي بدعائك ‏{‏لنؤمنن ولنرسلن‏}‏ قسم وجوابه، وهذا عهد من فرعون وملئه الذين إليهم الحل والعقد، ولهم ضمير الجمع في قوله ‏{‏لنؤمنن‏}‏، وألفاظ هذه الآية تعطي الفرق بين القبط وبين بني إسرائيل في رسالة موسى، لأنه لو كان إيمانهم به على أحد إيمان بني إسرائيل لما أرسلوا بني إسرائيل ولا فارقوا دينهم، بل كانوا يشاركون فيه بني إسرائيل، وروي أنه لما انكشف العذاب قال فرعون لموسى اذهب ببني إسرائيل حيث شئت فخالفه بعض ملئه فرجع فنكث‏.‏

وأخبر الله عز وجل أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا عهدهم الذي أعطوه موسى‏.‏ و‏{‏إذا‏}‏ هاهنا للمفاجأة، و‏{‏إلى‏}‏ متعلقة ب ‏{‏كشفنا‏}‏ و«الأجل» يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت‏.‏ وهذا اللازم من اللفظ كما تقول أخذت كذا إلى وقت وأنت لا تريد وقتاً بعينه، وقال يحيى بن سلام «الأجل» هنا الغرق‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وإنما هذا القول لأنه رأى جمهور هذه الطائفة قد اتفق أن هلكت غرقاً فاعتقد أن الإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ليس بلازم لأنه لا بد أنه مات منهم قبل الغرق عالم وهم ممن أخر وكشف عنهم العذاب إلى أجل بلغه، ودخل في هذه الآية فأين الغرق من هؤلاء‏؟‏ وأين هو ممن بقي بمصر ولم يغرق‏؟‏ وذكر بعض الناس أن معنى الكلام فلما كشفنا عنهم الرجز المؤجل إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون، ومحصول هذا التأويل أن العذاب كان مؤجلاً، والمعنى الأول أفصح لأنه تضمن توعداً ما وقرأ أبوالبرهسم وأبو حيوة‏:‏ «ينكِثون» بكسر الكاف، والنكث نقض ما أبرم، ويستعمل في الأجسام وفي المعاني، وقرأ ابن محيصن ومجاهد وابن جبير «الرُّجز» بضم الراء في جميع القرآن، قال أبو حاتم‏:‏ إلا أن ابن محيصن كسر حرفين «رجز الشيطان» «والرجز فاهجر»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ رآهما بمعنى آخر بمثابة الرجز والنتن الذي يجب التطهر منه‏.‏ و‏{‏اليم‏}‏ البحر، ومنه قول ذي الرمة‏:‏

ذوية ودجا ليل كأنهما *** يم تراطن في حافاته الروم

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بأنهم‏}‏ باء التسبيب، ووصف الكفار بالغفلة وهم قد كذبوا وردوا في صدر الآيات من حيث غفلوا عما تتضمنه الآيات من الهدى والنجاة فعن ذلك غفلوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 138‏]‏

‏{‏وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ‏(‏137‏)‏ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏الذين كانوا يستضعفون‏}‏ كناية عن بني إسرائيل لاستعباد فرعون لهم وغلبته عليهم، وقوله‏:‏ ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها‏}‏ قال الحسن وقتادة وغيرهما‏:‏ يريد أرض الشام، وقال أبو جعفر النحاس‏:‏ وقيل يراد أرض مصر وهو قول الحسن في كتاب النقاش، وقالت فرقة‏:‏ يريد الأرض كلها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا يتجه إما على المجاز لأنه ملكهم بلاداً كثيرة، وإما على الحقيقة في أنه ملك ذريتهم وهو سليمان بن داود ولكن الذي يليق بمعنى الآية وروي فيها هو أنه ملك أبناء المستضعفين بأعيانهم مشارق الأرض ومغاربها لا سيما بوصفه الأرض بأنها التي بارك فيها ولا يتصف بهذه الصفة وينفرد بها أكثر من غيرها إلا أرض الشام لما بها من الماء والشجر والنعم والفوائد، وحكى الطبري عن قائل لم يسمه وذكر الزهراوي أنه الفراء‏:‏ أن ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها‏}‏ نصب على الظرف أي يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله‏:‏ ‏{‏التي باركنا فيها‏}‏ معمول ل ‏{‏أورثنا‏}‏، وضعفه الطبري، وكذلك هو قول غير متجه، و‏{‏التي‏}‏ في موضع خفض نعت ل ‏{‏الأرض‏}‏، ويجوز أن يكون في موضع نصب نعت لمشارق ومغارب، وقوله‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك الحسنى‏}‏ أي ما سبق لهم في علمه وكلامه في الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه، قاله مجاهد، وقال المهدوي‏:‏ وهي قوله ‏{‏ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 5‏]‏ وقيل هي قوله‏:‏ ‏{‏عسى ربكم أن يهلك عدوكم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 129‏]‏، وروي عن أبي عمرو «كلمات» و‏{‏يعرشون‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد معناه يبنون وعرش البيت سقفه والعرش البناء والتنضيد وقال الحسن هي في الكروم وما أشبهها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ الباقون‏:‏ ابن عامر وعاصم فيما روي عنه والحسن وأبو رجاء ورجاء ومجاهد بضمها، وكذلك في سورة النحل وهما لغتان، وقرأ ابن أبي عبلة «يُعَرَّشون ويُعَكِّفون» بضم الياء فيهما وفتحة العين مشددة الراء والكاف مكسورتين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ورأيت للحسن البصري أنه احتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك‏}‏ إلى آخر الآية، على أنه لا ينبغي أن يخرج على ملوك السوء وإنما ينبغي أن يصبر عليهم، فإن الله تعالى يدمرهم، ورأيت لغيره أنه قال‏:‏ إذا قابل الناس البلاء بمثله وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج أتى الله بالفرج، وروي هذا القول أيضاً عن الحسن‏.‏

وقرأ جمهور الناس «وجاوزنا» وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «وجوزنا» ذكره أبو حاتم والمهدوي، والمعنى قطعناه بهم وجزعناه وهذه الآية ابتداء خبر عنهم، قال النقاش‏:‏ جاوزوا البحر يوم عاشوراء، وأعطي موسى التوراة يوم النحر القابل بين الأمرين أحد عشر شهراً، وروي أن قطعهم كان من ضفة البحر إلى ضفة المناوحة الأولى وروي أنه قطع من الضفة إلى موضع آخر منها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فإما أن يكون ذلك بوحي من الله وأمر لينفذ أمره في فرعون وقومه وهذا هو الظاهر، وإما بحسب اجتهاد موسى في التخلص بأن يكون بين وضعين أوعار وحايلات، ووقع في كتاب النقاش أنه نيل مصر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا خطأ لا تساعده رواية ولا يحتمله لفظ إلا على تحامل، وإنما هو بحر القلزوم و«القوم» المشار إليهم في الآية العرب، قيل هم الكنعانيون، وقال قتادة وقال أبو عمروان الجوني‏:‏ هم قومن من لخم وجذام، والقوم في كلام العرب الرجال خاصة، ومنه قول زهير‏:‏

ولا أدري وسوف إخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء

ومنه قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لا يسخر قوم من قوم‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ولا نساء من نساء‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 11‏]‏ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «يعكُفون» بضم الكاف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية عبد الوارث عنه «يعكِفون» بكسرها وهما لغتان والعكوف‏:‏ الملازمة بالشخص لأمر ما والإكباب عليه، ومنه الاعتكاف في المساجد ومنه قول الراجز «‏[‏الرجز‏]‏

عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُون الفَنْزَجَا *** و» الأصنام «في هذه الآية قبل كانت بقراً على الحقيقة، وقال ابن جريج‏:‏ كانت تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوه وذلك كان أول فتنة العجل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى‏:‏ ‏{‏اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏}‏ أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى‏:‏ اجعل لنا صنماً نفرده بالعبادة ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمراً حراماً فيه الإشراك في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى الله عليه وسلم في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة‏:‏ اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال‏:‏» الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل ‏{‏اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏}‏ لتتبعن سنن من قبلكم «‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولم يقصد أبو واقد بمقالته فساداً، وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفراً ولفظة الإله تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ذكرته أولاً أصح عندي والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏139- 141‏]‏

‏{‏إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏139‏)‏ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏141‏)‏‏}‏

أعلمهم موسى عن الله عز وجل بفساد حال اولئك القوم ليزول ما استحسنوه من حالهم فقال ‏{‏إن هؤلاء‏}‏ إشارة إلى أولئك القوم ‏{‏متبر‏}‏ أي مهلك مدمر ردي العاقبة، قاله السدي وابن زيد، والتبار الهلاك وسوى العقبى وإناء متبر أي مكسور وكسارته تبر ومنه تبر الذهب لأنه كسارة، وقوله‏:‏ ‏{‏ما هم فيه‏}‏ لفظ يعم جميع حالهم ‏{‏وباطل‏}‏ معناه فاسد ذاهب مضمحل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال أغير الله‏}‏ الآية، أمر الله موسى عليه السلام أن يوقفهم ويقررهم على هذه المقالة، ويحتمل أن يكون القول من تلقائه عليه السلام، ‏{‏أبغيكم‏}‏ معناه‏:‏ أطلب لكم، من بغيت الشيء إذا طلبته، و‏{‏غير‏}‏ منصوبة بفعل مضمر هذا هو الظاهر ويحتمل أن ينتصب على الحال كأن تقدير الكلام‏:‏ قال أبغيكم إلهاً غير الله فهي في مكان الصفة فلما قدمت نصبت على الحال، و‏{‏العالمين‏}‏ لفظ عام يراد به تخصيص عالم زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بإجماع، ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ اللهم إلا أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين بالإطلاق‏.‏

ثم عدد عليهم في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها أن لا يكفروا به ولا يرغبوا عبادة غيره وقرأت فرقة «نجيناكم»، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «أنجيناكم» وقد تقدم، وروي عن ابن عباس «وإذا أنجاكم» أي أنجاكم الله وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، و‏{‏يسومونكم‏}‏ معناه يحملونكم ويكلفونكم، تقول سامه خطة خسف، ونحو هذا، ومساومة البيع ينظر إلى هذا وأن كل واحد من المتساومين يكلف صاحبه إرادته، ثم فسر ‏{‏سوء العذاب‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏يقتلون ويستحيون‏}‏، و‏{‏بلاء‏}‏ في هذا الموضع معناه اختبار وامتحان، وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ إشارة إلى سوء العذاب، ويحتمل أن يشير به إلى التنجية فكأنه قال وفي تنجيتكم امتحان لكم واختبار هل يكون منكم وفاء بحسب النعمة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والتأويل الأول أظهر، وقالت فرقة‏:‏ هذه الآية خاطب بها موسى من حضره من بني إسرائيل، وقال الطبري‏:‏ بل خوطب بهذه الآية من كان على عهد محمد صلى الله عليه وسلم تقريعاً لهم بما فعل بأوائلهم وبما جازوا به‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والأول أظهر وأبين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 145‏]‏

‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏142‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏143‏)‏ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي قرأ أبو عمرو وأبيّ بن كعب وأبو رجاء وأبو جعفر وشيبة «ووعدنا» وقد تقدم في البقرة، وأخبر الله تعالى موسى عليه السلام أن يتهيأ لمناجاته ‏{‏ثلاثين ليلة‏}‏ ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فذكر أن «موسى» عليه السلام أعلم بني إسرائيل بمغيبه «ثلاثين ليلة» فلما زاده العشر في حال مغيبه دون أن تعلم بنو إسرائيل ذلك وجست نفوسهم للزيادة على ما أخبرهم به، فقال لهم السامري‏:‏ إن «موسى» قد هلك وليس براجع وأضلهم بالعجل فاتبعوه، قاله كله ابن جريج، وقيل‏:‏ بل أخبرهم بمغيبه ‏{‏أربعين‏}‏ وكذلك أعلمه الله تعالى وهو المراد بهذه الآية، قاله الحسن، وهو مثل قوله ‏{‏فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏ وأنهم عدوا الأيام والليالي فلما تم «أربعون» من الدهر قالوا قد أخلف «موسى» فضلوا، قال مجاهد إن «الثلاثين» هي شهر ذي القعدة وإن «العشر» هي «عشر» ذي الحجة، وقاله ابن عباس ومسروق‏.‏

وروي أن «الثلاثين» إنما وعد بأن يصومها ويتهيأ فيها للمناجاة ويستعد وأن مدة المناجاة هي «العشر»، وقيل بل مدة المناجاة «الأربعون»، وإقبال «موسى» على الأمر والتزامه يحسن لفظ المواعدة، وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة فذلك إخبار بجملة الأمر هو في هذه الآية إخبار بتفصيله كيف وقع، و‏{‏أربعين‏}‏ في هذه الآية وما بعدها في موضع الحال، ويصح أن تكون ‏{‏أربعين‏}‏ ظرفاً من حيث هي عدد أزمنة، وفي مصحف أبي بن كعب «وتممناها» بغير ألف وتشديد الميم، وذكر الزجاج عن بعضه قال‏:‏ لما صام ثلاثين يوماً أنكر خلوف فماه فاستاك بعود خروب فقالت الملائكة‏:‏ إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فزيدت عليه عشر ليال، و‏{‏ثلاثين‏}‏ نصب على تقدير أجلناه «ثلاثين» وليست منتصبه على الظرف لأن المواعدة لم تقع في «الثلاثين»، ثم ردد الأمر بقوله ‏{‏فتم ميقات ربه أربعين ليلة‏}‏ قيل ليبين أن «العشر» لم تكن ساعات وبالجملة فتأكيد وإيضاح‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال موسى لأخيه‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآية، المعنى‏:‏ وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها، و‏{‏اخلفني‏}‏ معناه كن خليفتي وهذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته لا يقتضي أنه متمادٍ بعد وفاة فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية في قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف علياً بقوله أنت مني كهارون من «موسى» وقال موسى ‏{‏اخلفني‏}‏ فيترتب على هذا أن علياً خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يحل هذا القياس، وأمره في هذه الآية بالإصلاح ثم من الطرق الأخر في أن لا يتبع سبيل مفسد، قال ابن جريج‏:‏ كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه‏.‏

ثم أخبر الله تعالى عن «موسى» عليه السلام أنه لما جاء إلى الموضع الذي حد له وفي الوقت الذي عين له وكلمه ربه قال تمنياً منه أي ‏{‏رب أرني أنظر إليك‏}‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أرِني‏}‏ بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ‏{‏أرْني‏}‏ بسكون الراء، والمعنى في قوله ‏{‏كلمه‏}‏ أي خلق له إدراكاً سمع به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفة ذات، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير‏:‏ أدنى الله تعالى «موسى» حتى سمع صريف الأقلام في اللوح، وكلام الله عز وجلّ لا يشبه شيئاً من الكلام الذي للمخلوقين ولا في جهة من الجهات وما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا كالمعلومات، كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات الحدوث، والواو عاطفة ‏{‏كلمه‏}‏ على ‏{‏جاء‏}‏، ويحتمل أن تكون واو الحال والأول أبين، وقال وهب بن منبه كلم الله «موسى» في ألف مقام كان يرى نور على وجهه ثلاثة أيام إثر كل مقام، وما قرب «موسى» النساء منذ «كلمة» الله تعالى، وجواب ‏{‏لما‏}‏ في قوله ‏{‏قال‏}‏، والمعنى أنه لما «كلمه» وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشويق إلى ذلك، فسأل ربه أن يريد نفسه، قاله السدي وأبو بكر الهذلي، وقال الربيع‏:‏ قربناه نجياً حتى سمع صريف الأقلام، ورؤية الله عز وجل عند الأشعرية وأهل السنة جائزة عقلاً، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة نصاً ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالاً وإنما سأل جائزاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لن تراني ولكن انظر إلى الجبل‏}‏ الآية ليس بجواب من سأل محالاً، وقد قال تعالى لنوح ‏{‏فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 46‏]‏ فلو سأل «موسى» محالاً لكان في الكلام زجر ما وتبيين، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لن تراني‏}‏ نص من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، و‏{‏لن‏}‏ تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجردة لقضينا أنه لا يراه «موسى» أبداً ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرى برؤيته، وقال مجاهد وغيره‏:‏ إن الله عز وجل قال لموسى لن تراني ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالاً وقالت فرقة‏:‏ إنما المعنى سأتبدى لك على الجبل فإن استقر لعظمتي فسوف تراني، وروي في كيفية وقوف «موسى» وانتظاره الرؤية قصص طويل اختصرته لبعده وكثرة مواضع الاعتراض فيه‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ‏}‏

قال المتأولون المتكلمون كالقاضي ابن الباقلاني وغيره‏:‏ إن الله عز وجل خلق للجبل حياة وحساً وإدراكاً يرى به، ثم تجلى له أي ظهر وبدا سلطانه فاندك الجبل لشدة المطلع فلما رأى موسى ما بالجبل صعق، وهذا المعنى هو المروي عن ابن عباس، وأسند الطبري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ‏{‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً‏}‏ قال‏:‏ فوضع الإبهام قريباً عن خنصره قال فساخ الجبل، فقال حميد لثابت‏:‏ تقول هذا‏؟‏ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال‏:‏ يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس، وأكتمه أنا‏؟‏ وقالت فرقة‏:‏ المعنى فلما تجلى الله للجبل بقدرته وسلطانه اندك الجبل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكاً شديداً لقولهم إن رؤية الله عز وجل غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن تحمل الآية أن الجبل خلق له إدراك وحياة، وقال الزّجاج‏:‏ من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد أخطأ ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق والتفتت، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر «دكاً»، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم «دكاء» على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضاً دكاء تشبيهاً بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن الجبل تفتت وانسحق حتى صار غباراً تذروه الرياح، وقال سفيان‏:‏ روي أنه ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي فيه إلى يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور وحراء، وثلاث بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر الهذلي‏:‏ ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، و‏{‏صعقاً‏}‏ معناه مغشياً عليه كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل‏:‏ وهي الوقع الشديد من صوت الرعد قاله ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة‏:‏ كان موتاً، قال الزجّاج‏:‏ وهو ضعيف، ولفظة ‏{‏أفاق‏}‏ تقتضي غير هذا، وقوله ‏{‏سبحانك‏}‏ أي تنزيهاً لك كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ‏{‏تبت إليك‏}‏ معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما اطلع ولم يعن به التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت المعتزلة، وقرأ نافع ‏{‏وأنا‏}‏ بإثبات الألف في الإدراج، قال الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس، وقوله ‏{‏أول‏}‏ إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس ومجاهد أو من أهل زمانه ان كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله أبو العالية‏.‏

ثم ان الله تعالى قرر موسى على آلائه عنده على جهة الإخبار وقنعه بها وأمره بالشكر عليها وكأنه قال ولا تتعدها إلى غيرها، و«اصطفى» أصله اصتفى وهو افتعل من صفا يصفو انقلبت التاء طاء لمكان الصاد، ومعناه تخيرتك وخصصتك، ولا تستعمل إلا في الخير والمتن، لا يقال اصطفاه لشر، وقوله ‏{‏على الناس‏}‏ عام والظاهر من الشريعة أن موسى مخصص بالكلام وإن كان قد روي في تكليم الله غيره أشياء بما يشاء من أعظمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم فقال هو نبي مكلَّم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ إلا أن ذلك قد تأول أنه كان في الجنة فيتحفظ على هذا تخصيص موسى، ويصح أن يكون قوله ‏{‏على الناس‏}‏ عموماً مطلقاً في مجموع الدرجتين الرسالة والكلام‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «برسالاتي» على الجمع إذ الذي أرسل به ضروب، وقرأ ابن كثير ونافع «برسالتي» على الإفراد الذي يراد به الجمع وتحل الرسالة هاهنا محل المصدر الذي هو الإرسال، وقرأ جمهور الناس و«بكلامي»، وقرأ أبو رجاء «برسالتي وبكلمتي»، وقرأ الأعمش «برسالاتي وبكلمي»، وحكى عنه المهدوي «وتكليمي» على وزن تفعيلي، وقوله ‏{‏فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين‏}‏ تأديب وتقنيع وحمل على جادة السلامة ومثال لكل أحد في حاله، فإن جميع النعم من عنده بمقدار وكل الأمور بمرأى من الله ومسمع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكتبنا له في الألواح‏}‏ الآية، الضمير في ‏{‏له‏}‏ عائد على موسى عليه السلام، والألف واللام في ‏{‏الألواح‏}‏ عوض من الضمير الذي يقدر وصله بين الألواح وموسى عليه السلام، تقديره في ألواحه، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن الجنة هي المأوى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 41‏]‏ مأواه وقيل‏:‏ كانت الألواح اثنين، وقيل أيضاً من برد، وقال الحسن من خشب، وقوله ‏{‏من كل شيء‏}‏ لفظه عموم والمراد به كل شيء ينفع في معنى الشرع ويحتاج إليه في المصلحة، وقوله ‏{‏لكل شيء‏}‏ مثله، قال ابن جبير‏:‏ ما أمروا به ونهوا عنه، وقاله مجاهد‏:‏ وقال السدي‏:‏ الحلال والحرام‏.‏ وقوله ‏{‏بقوة‏}‏ معناه بجد وصبر عليها واحتمال لمؤنها قاله ابن عباس والسدي، وقال الربيع بن أنس ‏{‏بقوة‏}‏ هنا بطاعة، وقال ابن عباس أمر موسى أن يأخذ بأشد مما أمر به قومه، و«خذ» أصله أؤخذ حذفت الهمزة التي هي فاء الفعل على غير قياس فاستغني عن الأول، وقوله ‏{‏بأحسنها‏}‏ يحتمل معنيين أحدهما التفضيل كأنه قال‏:‏ إذا اعترض فيها مباحان فيأخذون الأحسن منهما كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ هذا على القول إن أفعل في التفضيل لا يقال إلا لما لهما اشتراك في المفضل فيه وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن المأمور به بالإضافة للمنهي عنه لأنه أحسن منه، وكذلك الناسخ بالإضافة إلى المنسوخ ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبري‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويؤيد هذا التأويل أنه تدخل فيه الفرائض وهي لا تدخل في التأويل الأول، وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حسن من المأمور به والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس الأمارة، والمعنى الآخر الذي يحتمله قوله‏:‏ ‏{‏بأحسنها‏}‏ أن يريد بأحسن وصف الشريعة بجملتها، فكأنه قال‏:‏ قد جعلنا لكم شريعة هي أحسن كما تقول‏:‏ الله أكبر دون مقايسة ثم قال‏:‏ فمرهم يأخذوا بأحسنها الذي شرعناه لهم، وفي هذا التأويل اعتراضات، وقرأ جمهور الناس ‏{‏سأوريكم‏}‏، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «سأوريكم» قال أبو الفتح ظاهر هذه القراءة مردود وهو أبو سعيد المأثور فصاحته فوجهها أن المراد أريكم ثم أشبعت ضمة الهزة ومطلب حتى نشأت عنها واو، ويحسن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه‏.‏

وقرأ قسامة بن زهير «سأورثكم» قاله أبو حاتم، ونسبها المهدوي إلى ابن عباس، وثبتت الواو في خط المصحف فلذلك أشكل هذا الاختلاف مع أنا لا نتأول إلا أنها مرويات فأما من قرأها «سأوريكم» فالمعنى عنده سأعرض عليكم وأجعلكم تخشون لتعتبروا حال دار الفاسقين، والرؤية هنا رؤية العين إلا أن المعنى يتضمن الوعد للمؤمنين والوعيد للفاسقين ويدل على أنها ررية العين تعدى فعلها وقد عدي الهمزة إلى مفعولين فهو مقدر أي مدمرة أو خربة مسعرة على قول من قال‏:‏ هي جهنم، قيل له‏:‏ ولا يجوز حذف هذا المفعول والاقتصار دونه أنها داخله على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على قبح في اللسان لا يليق بكتاب الله عز وجل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومقاتل وقتادة في كتاب النقاش ‏{‏دار الفاسقين‏}‏ مصر والمراد آل فرعون، وقال قتادة أيضاً‏:‏ «دار الفاسقين» الشام والمراد العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وقال مجاهد والحسن‏:‏ «دار الفاسقين» جهنم والمراد الكفرة بموسى عامة، وقال النقاش عن الكلبي‏:‏ ‏{‏دار الفاسقين‏}‏ دور ثمود وعاد والأمم الخالية‏:‏ أي سنقصها عليكم فترونها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 147‏]‏

‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏146‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

المعنى سأمنع وأصد، وقال سفيان بن عيينة‏:‏ الآيات هنا كل كتاب منزل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فالمعنى عن فهمها وتصديقها، وقال ابن جريج‏:‏ الآيات العلامات المنصوبة الدالة على الوحدانية‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فالمعنى عن النظر فيها والتفكير والاستدلال بها، واللفظ يعم الوجهين، والمتكبرون بغير حق في الأرض هم الكفرة، والمعنى في هذه الآية سأجعل الصرف عن الآيات عقوبة للمتكبرين على تكبرهم، وقوله ‏{‏وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها‏}‏ حتم من الله عز وجل على الطائفة التي قدر ألا يؤمنوا، وقراءة الجمهور‏:‏ «يرَوا» بفتح الياء قرأها ابن كثير وعاصم ونافع وأبو جعفر وشيبة وشبل وابن وثاب وطلحة بن مصرف وسائر السبعة، وقرأها مضمومة الياء مالك بن دينار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «الرشد»، وقرأ ابن عامر في بعض ما روي عنه وأبو البرهسم «الرُّشد» بضم الراء والشين وقرأ حمزة والكسائي على أن «الرُّشد» بضم الراء وسكون الشين «الرَّشد» بفتحهما الدين، وأما قراءة ابن عامر بضمهما فأتبعت الضمة الضمة، وقرأ ابن أبي عبلة «لا يتخذوها وتتخذوها» على تأنيث «السبيل»، والسبيل تؤنث وتذكر، وقوله ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى الصرف أي صرفنا إياهم وعقوبتنا لهم هي بكفرهم وتكذيبهم وغفلتهم عن النظر في الآيات والوقوف عند الحجج، ويحتمل أن يكون ذلك خبر ابتداء تقديره‏:‏ الأمر ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل تقديره فعلنا ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة‏}‏ الآية، هذه الآية مؤكدة للتي قبلها وسوقها في جملة المكذب به، ولقاء الآخرة لفظ يتضمن تهديداً أي هنالك يفتضح لهم حالهم، و‏{‏حبطت‏}‏ معناه سقطت وفسدت وأصل الحبط فيما تقدم صلاحه ولكنه قد يستعمل في الذي كان أول مرة فاسداً إذ مئال العاملين واحد، وقوله ‏{‏هل يجزون‏}‏ استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم إلا عقوبة، وساغ أن يستعمل ‏{‏حبطت‏}‏ هنا إذ كانت أعمالهم في معتقداتهم جارية في طريق صلاح فكأن الحبط فيها إنما هو بحسب معتقداتهم وأما بحسب ما هي عليه في أنفسها ففاسدة منذ أول أمرها، ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم أي فساداً لكثرة الأكل بعد الصلاح الذي كان أولاً، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «حبَطت» بفتح الباء‏.‏